فوزي آل سيف
53
من قصة الديانات والرسل
هذه الهزة والصدمة على مستوى التحطيم من جهة وعلى مستوى السؤال الحرج لهؤلاء جعلهم يراجعوا أنفسهم (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ)[161] فما هذا المعبود الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه ولا الكلام نأتي نحن ونتوسل به ونعبده؟ احتجاج إبراهيم على النمرود: فاستدعى إبراهيم وكانت هذه أول مره يستدعيه إلى البلاط فحين سأله إلامَ تدعو قال: أنا أدعو إلى عبادة الله عز وجل. قال: من هو الله؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. فأمرهم أن يحضروا اثنين قد حُكم عليهما بالقتل فقتل أحدهم، وقال: أمتُّه، وقال للثاني اذهب، وهذا أحييتُه. وهنا يتبين ذكاء إبراهيم حيث ترك مناقشة جزئيات هذه الواقعة وأنه لا يصح أن يقال لهذا أحييته! وتركه النقاش في تفاصيل الحادثة، هو إتقان لفن المناظرة! ترك ذلك وقال له: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) والنتيجة: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ). إبراهيم يلقى في النار: أصبح إبراهيم ودعوته وقصصه وحججه على كل لسان، وانشغل الناس بالتفكير فيما قاله ويقوله، سواء مع عمه أو حين أفلت الكواكب أو بعد تحطيم الأصنام أو أمام الملك النمرود.. عندها قرر النمرود التخلص من نبي الله إبراهيم، فجمع الأخشاب ليلقي النبي إبراهيم في النار العظيمة وكان الإحراق بالنار كما ذكرنا سابقا إحدى العقوبات المشهورة، وهي طريقة الطغاة حين يعجزون عن مواجهة الحجة بالحجة والبرهان، فلا يبقى عندهم إلا القوة والسيف! وحيث كانت النار عظيمة متأججة لكثرة ما جمعوا لها من الحطب، فلم يكن ممكنًا أن يؤخذ إبراهيم إليها، وكان لا بد أن يوضع في المنجنيق ويلقى من بعيد إليها، تقول الروايات أنه بينما كان إبراهيم في الهواء لكي يهوي في النار سأله جبرئيل الأمين، فقال: يا إبراهيم هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا.. قال: فلله؟ قال: علمه بحالي يغنيه عن سؤالي. هذا التوكل على الله والتسليم لارادته كان لا بد أن ينتج (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إبراهيم * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ).[162] وبينما كان الناس ينتظرون أن يشمّوا رائحة الشواء، أو يسمعوا صراخه وألمه فوجئوا بإبراهيم وكأنّه في روضةٍ غنّاء. قيل هنا أن أحد سدنة المعبد مع النمرود أراد أن يستغل الفرصة قال: يا أيها الملك أنا أشفقت عليه وقلت للنار لا تحرقيه!. وإذا بعُنق من النار من تلك النار يأتي ويحرق وجه هذا السادن الكاذب ولحيته. إبراهيم يغادر العراق:
--> 161 الأنبياء: 64 162 الأنبياء: 69- 70